الخميس، 15 يوليو 2021
قصة هاجر
{ وليالٍ عشر } ..
اسـأَل رِمالَ مكّة عن آلامِ خُطى هاجرَ و هي تتماسك ؛ كي لا تلحق بإبراهيم !
يَقولون يـا هاجَـر ..
إنَّ إحساسَ المرأة بالحزن و الألم ؛ يَعدِلُ ثمانيةَ أضعاف إحساس الرجل !
فكيفَ صَمتَ الوجعُ فيكِ ؛ و إبراهيمُ يرحـلُ عنكِ و عـن الرّضيـع ؟!
لا شيء كان يُخيف هاجرَ في هذه الصّحراء ؛ مثلَ مَغيبِ الشّمس في هذا المكان !
ترتعشُ هاجَـر في هذه الصّحراء الشاسعة ..
وماتدري أن اليباسَ تحت قدميه سيغدو سقاية الحجيج أبدا !
تهَرع إليه !
يـا إبراهيمُ ..
كيف تجمعُ عَلينا غِيابين ..
غيابكَ أنتَ ، و غيـاب الشّمس ؟!
هل نَذرتَنا للفَناء ؟!
صدّقني لا شَـيء يوحـي بغيـرِ ذلـك !
آاللهُ أَمرَكَ بذلك يـا إبراهيم ؟ فأجابَ : نعَـم !
كَـان اللهُ فـي عَليائِه يَشهدُ تِلكَ اللّحظـة ..
لحظة اختيارٍ بين خطوتَين ..
نَحو إبراهيم أو نحوَ الله !
لحظةٌ ..
سُجّلت لِهاجرَ في تاريخ الكون ، و بها اعتَلَتْ المَـرأةُ مكـان الشّمـس !
تسامَت على ضَعفِها ؛ حتى كأنَّها أُسطورةٌ من خيال التاريخ !
أيُّ دينٍ هذا الذي يوقِظُ النِّساءَ ؛ كي يَصعَدنَ من السَّفحِ إلى حيثُ تُقيمُ النُّسور !
كَـي يُصبحنَ أيقونة الفِداء ..
كي يملأْنَ الصُّخورَ المتشقِّقة من الجَفافِ ؛ بماءٍ لا ينقَطِع !
كانت الدُّروبُ الصّامتةُ؛ تَسمع وَقعَ أقدام إبراهيم مثقلةً بالرَّحيل !
{ ربّي إنّـي أسكنتُ مـن ذُريتي بوادٍ غيـرِ ذي زَرع } ..
كم مرةٍ تهدَّجَ صوتُكَ، أو تقطَّعَ، أو تحشّرَجَ يـا خليلَ الله بين الكلماتِ ؟
مَشهدٌ ..
تئنُّ لهُ السّماواتُ ؛ و لا تئنُّ له جارية في مُقتبل العُمر !
كَـان الرّعبُ يحيط بها ؛ الرعب في انتظار العَتمَة الآتية ، و في بُكاءِ طفلٍ يُحرّكُ سُكونَ الصّحراء المخيفة؛ لتُلقي بأثقالِها في وجهِ الجارية !
تَنحني هاجرُ على الصغير فتبدو أمامها الحقيقة عاريةً ؛ لا شيء الا صُراخ الرّضيع !
تتشبّث بـاليَقيـنِ :
( أنَّ اللهَ لـَن يُضيّعَنا ) !
تَشُدّ اليَدَ الغارقة في عَرَقِ الخوفِ على حبلِ الثّقةِ بالله ؛ ومثلِ لِبؤةٍ مَفزوعة تَهرعُ بيـن الجَبَليـن !
تهرعُ بين الصفا والمروة ..
ثمَّةَ ما يستَحِقُّ الحَّياة ..
ثَمَّةَ ما يستحِقُّ السَّعي ..
ثَمَّةَ حِكمة وراءَ كلِّ هذا الهَول !
كانت الأنفاسُ المُتلاحقة في هَروَلة الخطوات تَستبيحُ الصَّدرَ المُضطَّرب بالخوفِ المُشتَعِل !
هنا الوَحدة و الوَحشة ..
و مَـوتٌ يفتَرِسُ الطِّفلَ ..
و رَمـلٌ ينتَثِرُ في عَينَيها ؛ كأنَّهُ اللَّهَيب ..
و لا إبراهيمُ يُؤنِس الطَّريق !
ترى هَـل بَكـَت ؟
لم تُسجِّل ذاكرةَ الصَّحراء ؛ إلّا ارتفاعاً في صوت اليَقين !
هل كَتمَت صرخَتها ؟
لم تَشهد السَّماءُ ؛ إلا صَمتَ المُوقِنين !
هل شَكَت ؟
لا ..
إذْ عَلَّمَها إبراهيمُ ؛ أنَّ النّورَ لا يَعبُر إلّا بعدَ اكتمالِ اللَّيل !
..وعَلَّمَها إبراهيمُ ؛ أن كل مايحجب الثقة بالله خطيئة !
تلك جراحٌ نزفت ..
فأضاءت للأمـّة الطريـق !
يـا هاجَـر ..
لو تَعلمين : أنَّ عَتمة الصّـحراء مـِن يَقينك تكادُ تُضـيء !
كَـانت زمـزم حينها ؛ تنتظـرُ ضَربَةَ قـَدَم الصَّغيـر ..
و كانَ لا بُدَّ لذلك من اكتمالِ مَشهَد التَّضحية ، و تقديمِ كلِّ القَرَابين !
(وعند انسـداد الفـُرَج ؛ تبدو مَـطالع الفَـرج ) !
تَسعى الحَجيجُ اليوم على الخُطى الجَليلة ..
على خُطى جاريةٍ ؛ كَتَبَت من خوفِها انتصار إرادةِ اللهِ عَبرَ امرَأة !
( هَـاجـَرُ ) ..
لكِ من اسمِك أوفر النَّصيب في هِجرَةٍ ؛ تَمَّت للهِ وَحدَهُ ..
هـِجرة لم يلتفت فيها القلب !
أيـا سَيّْدةَ المَعاني الكبيرة ..
[ مِنكِ تَستَلهِمُ المُرابطاتُ اليومَ في حَرَمِ الأقصى ؛ حكايَةَ النَّصرِ القَريب ..
ومِنك تستلهم الأسيرات في سُجون الظُلم ؛ مَعاني الثّبات ]
منقول
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق